أفضل اشتراك IPTV سنة دقة عالية 4K بدون تقطيع

فنزويلا: الجريمة أن تمتلك مالا تملكه أمريكا

وجهات نظر

فنزويلا: الجريمة أن تمتلك مالا تملكه أمريكا

أحمد سيد أحمد صالح
في 13/1/2026 – 12:42 م

لم يكن مشهد اعتقال الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو” وزوجته مجرد تدخل في شؤون دولة، بل هو إعلان عن تغيير قواعد اللعبة الدولية وعودة القوة كأساس للعلاقات بين الدول. فلم تعد هناك حاجة حتى لذرائع كأسلحة الدمار الشامل أو انتهاكات حقوق الإنسان. يكفي قرار واشنطن أن نظاماً ما لم يعد مقبولاً، حتى تتحول أراضيه إلى ساحة عسكرية. وهذا ليس لخطأ ارتكبه، بل لأنه تجرأ على الوقوف في طريق مصالح واشنطن، وكأن العالم حديقة خلفية للبيت الأبيض.فنزويلا: الجريمة أن تمتلك مالا تملكه أمريكاولا يمكن فهم الاستهداف الأمريكي لفنزويلا بعيداً عن الحسابات الاقتصادية. فهذه الدولة خزان طاقة استراتيجي حيث تمتلك أكبر احتياطيات نفط في العالم، تفوق حتى احتياطيات السعودية، بالإضافة إلى ثروات هائلة من الذهب والمعادن النادرة والغاز.
لطالما نظرت واشنطن إلى هذا الثراء الطبيعي كحق تُديره شركاتها وعندما حاولت فنزويلا تحويل هذه الثروة للتنمية والاستقلال الوطني، تحولت إلى عدو يجب إسقاطه.
فالعقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضتها واشنطن بحق الشعب الفنزويلي كانت أداة إكراه لخلق أزمة معيشة وغضب شعبي. أما ذريعة “مكافحة المخدرات” فما هي إلا كذبة سياسية وإعلامية لتبرير التدخل كمنقذ على غرار “أسلحة الدمار الشامل العراقية” في عملية نهب منظم تلبس ثوب “الإنقاذ الدولي” أو “التغيير الديمقراطي”.فنزويلا: الجريمة أن تمتلك مالا تملكه أمريكاإن ما يجري في فنزويلا ليس سوى فصل جديد من فصول الاستعمار القديم، لكن بشكل حديث وأدوات أكثر تطوراً. فكما قسمت بريطانيا وفرنسا دول المشرق العربي في اتفاقية سايكس-بيكو، وكانت جيوش المستعمرين تجتاح الأراضي لنهب موارد وثروات أفريقيا والهند وأمريكا الجنوبية، تقسم اليوم القوى العظمى العالم بوسائل أكثر تطوراً. الفارق الجوهري هو أن المستعمر القديم كان يعلن عن نيته ويترك إدارات مدنية طويلة الأمد، بينما المستعمر الجديد ينفذ مهمته ويخرج، تاركاً وراءه فوضى مناسبة تسمح له بالتحكم عن بعد لنهب النفط والمعادن الثمينة. إنه سيناريو يشبه أفلام الجاسوسية، لكنه يحدث في واقعنا. فبدلاً من الحروب الطويلة، تعتمد واشنطن الآن على الضربات السريعة، مدعومة بشبكات تجسس داخلية تشبه تلك التي كانت تستخدم أثناء الحرب الباردة.فنزويلا: الجريمة أن تمتلك مالا تملكه أمريكاكما أوضح الدرس من الحالة الفنزويلية سقوط نظرية “الحلفاء الأوفياء”. لقد كان الاعتقاد السائد أن فنزويلا تمتلك شبكة دعم من روسيا والصين، لكن أظهرت الأزمات الدولية هشاشة هذه التحالفات رغم خطابها المناهض للهيمنة الأميركية. والتجربة أثبتت أنهما قوتان تسعيان لمصالحهما في إطار لعبة دولية معقدة. فموسكو، الغارقة في أزماتها الاقتصادية ومشاريعها التوسعية في أوكرانيا، ليست مستعدة لخوض حروب دفاعاً عن حلفاء. وهي لا ترى في فنزويلا سوى ورقة قد تضحي بها في لحظة مقابل تنازلات في أماكن أخرى. والصين، التي تتحرك بانتهازية اقتصادية، تبحث فقط عن الصفقات المربحة عندما تتعارض التحالفات مع حساباتها. مما أثبت أن الاعتماد على القوى الدولية، بغض النظر عن خطابها المعادي لأميركا، هو رهان خاسر؛ لأنها في النهاية تضع مصالحها فوق كل التزام سياسي.فنزويلا: الجريمة أن تمتلك مالا تملكه أمريكاولعل العامل الأكثر خطورة هو “الخيانة الداخلية”. فسهولة العملية تشير بوضوح إلى وجود اختراق عسكري وسياسي واستخباراتي لأجهزة الأمن الفنزويلي، وربما خيانة داخل الدائرة الأقرب للرئيس. وسواء كانت بالتواطؤ المباشر أو بالصمت الراضي، هي نتاج طبيعي لهشاشة هذا النظام.
وهذا يذكرنا بأن الدول يمكن أن تتهاوى من الداخل إذا فسدت النفوس وانتشرت المصالح الشخصية فوق المصلحة الوطنية. فالحاكم الذي يفقد صلته بشعبه، ويحيط نفسه بمنظومة من المصالح الفاسدة، فإنه يبني نظاماً هشاً قابلاً للانهيار عند أول اختبار حقيقي.فنزويلا: الجريمة أن تمتلك مالا تملكه أمريكاوالخيانة هنا ليست فعل أفراد فقط، بل هي النتيجة الحتمية لسياسات القمع والفساد والإقصاء. فالأوطان لا تُحمى بالخطب ولا بالتحالفات، بل تُحمى ببناء عقد اجتماعي حقيقي غير مكتوب بين الحاكم والمحكوم. عقد يقوم على العدالة والمساواة والحرية والمحاسبة. فالشعب الذي يختار قادته بحرية، ويشعر بأنه شريك حقيقي في صنع القرار، وبعدل يضمن كرامته، وحرية تمكنه من المشاركة في مصيره، وتكافؤ فرص يمحو الطبقية والفساد، ونظام برلماني يعبر عن تطلعاته لا عن مصالح النخبة الحاكمة، سيصبح هو الحصن الأخير الذي لا يسقط؛ لأنه توفرت فيه مقومات الصمود.فنزويلا: الجريمة أن تمتلك مالا تملكه أمريكاوفنزويلا تذكرنا بأن المستقبل يعتمد على القدرة على إعادة بناء فكرة الوطن من الداخل، قبل فوات الأوان. إما أن نتعلم الدرس ونبني أوطاناً حقيقية، أو نستسلم لعودة العصور المظلمة؛ حيث تتحول الحدود إلى خطوط وهمية يمكن اختراقها متى شاءت القوة العظمى، تُنهب الثروات تحت تهديد السلاح، وتصبح الدول الصغيرة رهينة في صراع الكبار.
والسؤال الذي تتركه فنزويلا لكل شعب وحاكم: هل نتعلم من الدرس أم ننتظر دورنا في مشاهد هذا السيناريو الكبير؟فنزويلا: الجريمة أن تمتلك مالا تملكه أمريكا

أضف تعليق