من حماية الطبيعة إلى صناعة الفرص.. رحلة صعود الاستثمار الأخضر في المحميات المصرية
شيرين إحسان
في 16/11/2025 – 02:22 ص
في لحظة قد تبدو بسيطة، يكفي أن تطأ قدمك رمال محمية أو أن تتأمل طبقات جبل تكونت عبر ملايين السنين لتدرك من الطبيعة ليست مجرد خلفية صامتة لحياتنا، بل هي شريك أصيل في وجودنا .. وفي مستقبل اقتصادنا أيضا، فمن قلب الصحاري المصرية إلى ضفاف البحيرات وسواحل البحر الأحمر، تنهض المحميات الطبيعية كأرشيف حي للتاريخ، ومختبر مفتوح للعلم، وموطنًا غنيًا بالتنوع البيولوجي، وكنز اقتصادي تنتظر مفاتيحه من يُحسن إدارتها ويخلق فرص عمل ويجذب استثمارات.. وهكذا يتحول سؤال “كيف نحمي الطبيعة؟” إلى كيف نستثمر فيها دون أن نمس روحها؟ السطور التالية تحمل بعضًا من الإجابة تروي لنا رحلة صعود الاستثمار الأخضر في المحميات المصرية ما بين شراكات المجتمعات المحلية والجهود الحكومية وملامح من نماذج عالمية وتجارب تمويل مبتكرة قد تعطي ثراء للتجربة المصرية في المستقبل القريب..
المحميات الطبيعية.. ثروة بيئية لا تقدر بثمن
تغطي شبكة المحميات الطبيعة في مصر نحو 15% من مساحة البلاد، بواقع 31 محمية موزعة بين السواحل والواحات والصحاري والبحيرات، وفق تقارير الجهاز القومي لتنمية الموارد الطبيعية وقطاع حماية الطبيعة. ولا تمثل هذه المحميات مجرد مساحات منعزلة، بل تُعد خزائن للتنوع البيولوجي، فهي تضم شعابًا مرجانية ومانجروف وأنظمة صحراوية وجبلية نادرة، وتؤدي خدمات بيئية حيوية مثل حماية السواحل وتنظيم المناخ ودعم مصايد الأسماك. وتشير برامج الأمم المتحدة وتقارير التعاون الدولي إلى أن هذه النظم تحمي سبل عيش ملايين السكان وتشكل خط الدفاع الأول ضد آثار التغير المناخي.
تُظهر دراسات دولية ووطنية أن الاستثمار في إدارة المحميات والحلول القائمة على الطبيعة يحقق عوائد اقتصادية مباشرة من السياحة البيئية، ويخلق وظائف خضراء، ويوفر بدائل اقتصادية للمجتمعات المحلية، فضلًا عن تخفيف تكاليف الحماية الهندسية للسواحل. وتوصي برامج الأمم المتحدة الإنمائي بتحويل هذه الخدمات إلى أدوات اقتصادية واضحة تجذب القطاع الخاص وتفتح الباب أمام التمويل الدولي القائم على اقتصاد الطبيعة.
محمية وادي الحيتان
جهود وزارة البيئة في التطوير
وتؤكد وزارة البيئة في بياناتها أن 13 محمية تم تطويرها بالكامل للسياحة البيئية، ضمن خطة تستهدف تحويل المحميات إلى موارد اقتصادية مستدامة تعتمد على المشاركة المجتمعية والقطاع الخاص، مع الحفاظ الكامل على الأنظمة البيئية.
تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي للتنمية ومراجعة سياسات النمو الأخضر في مصر 2024 إلى أن إيرادات المحميات الطبيعة بلغت 500 مليون جنيه عام 2023، يعاد 25% منها إلى منظومة إدارة المحميات. وفي عام 2024، أوضح تقرير الهيئة العامة للاستعلامات أن العائدات ارتفعت بنسبة 40% مقارنة بالعام السابق، بينما تجاوزت 1900% مقارنة بعام 2017، في مؤشر واضح على تطور السياحة البيئية وزيادة الوعي المجتمعي بقيمة الطبيعة.
الطبيعة أصل اقتصادي وليست رفاهية
الدكتور البيلي حطب، مدير عام اقتصادات التنوع البيولوجي، يؤكد أن المحميات الطبيعية “رأس مال وطني واستثمار طويل الأجل”، موضحًا أن الاستثمار لا يتعارض مع الحماية، بل يقوم على الاستخدام الرشيد وفق ضوابط “مرصد الأنشطة” الذي يسمح بتقديم خدمات بيئية وسياحية متوافقة مع طبيعة كل محمية. ويرى حطب أن المحميات تمثل خط الدفاع الأول ضد التغيرات المناخية، وأن تنوع مصر البيئي – من وادي الحيتان إلى سانت كاترين ورأس محمد- يمنحها ميزة تنافسية عالمية.
من جهته، يشدد المهندس محمد عليوة، مدير مشروع دمج التنوع البيولوجي في السياحة البيئية، على أن حملة “ECO EGYPT”، أعادت ربط الزوار بالمحميات، وخلقت منصة داعمة للقطاع الخاص للاستثمار في السياحة البيئية، من خلال تعزيز الوعي وإشراك المجتمعات المحلية، ويشير إلى التجربة المصرية عُرضت عالميًا خلال مؤتمر المناخ “كوب 27” في شرم الشيخ باعتبارها إحدى التجارب الرائدة في المنطقة.
محمية سيوة
حين يصبح الوعي هو الاستثمار الأول
لم تنفصل جهود وزارة البيئة في اللجوء إلى الحلول القائمة على الطبيعة عن جهود الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني التي تصل إلى عمق المجتمعات المحلية وتدرك عن قرب احتياجات السكان المحليين وفي هذا الإطار نشير إلى بعض النماذج والمبادرات الملهمة من واقع الحلول القائمة على الطبيعة، منها ما تقدمه جمعية بادر للتنمية المستدامة كنموذج رائد للاستثمار في المعرفة باعتبارها حجر الأساس للحماية، فالمشروع الذي تنفذه بتمويل من برنامج المنح الصغيرة- مرفق البيئة العالمية (GEF/SGP)، في محمية قارون بالفيوم يهدف إلى إنشاء مركز تثقيفي للتغير المناخي والتنوع البيولوجي، يعتمد على الذكاء الاصطناعي والوسائط المتعددة لتقديم تجربة تفاعلية للزوار.
يقول محمد إسماعيل، مسؤول الجمعية، إن “الاستثمار الحقيقي يبدأ حين يفهم الناس قيمة المحمية، فكل طالب وزائر هو شريك في حمايتها”، ويتضمن المشروع تجهيز المتحف المفتوح، وتنظيم ورش عمل، وإطلاق رحلات علمية للمدارس والجامعات، وإنشاء مكتبة رقمية وموقع إليكتروني يقدم جولات افتراضية. ويهدف في النهاية إلى خلق فرص اقتصادية جديدة عبر تنشيط السياحة البيئية وتمكين المجتمع المحلي.
وفي وادي الريان، تعمل الوزارة على إنشاء أول حديقة برية مفتوحة مستوحاة من التجربة الأردنية، بهدف حماية الحيوانات البرية وتعزيز الاستثمارات البيئية المسؤولة بالتوازي مع حملة “ECO EGYPT” التي تروج ل 13 محمية كمقاصد بيئية عالمية.
محمية وادي الريان
الشفاء والطبيعة في مسار واحد
في واحة سيوة، تشهد سياحة العلاج بالغمر في الرمال رواجًا كبيرًا، إذ تجذب آلاف الزوار للاستشفاء الطبيعي. وتشير تقارير وزارة البيئة إلى أن سيوة أصبحت أحد أهم مواقع السياحة البيئية والعلاجية، وتسهم بشكل مباشر في دعم المجتمعات المحلية. ويشير إبراهيم باغي مدير محمية سيوة الى ان سيوة تتميز ببيئات متنوعة ما بينة صحراوية وبحيرات مالحة، كثبان رملية، حفريات، جبال ، وديان، هضاب، أراضي رطبة، وجميعها تتميز بتنوع النباتات والحياة البرية، ويضيف من أبرز معالم الواحة جبل الدكرور الذي يشتهر بالرمال الساخنة ذات الخصائص العلاجية ويتوافد إليه المصريين والأجانب في فصل الصيف للاستمتاع بحمامات الرمال الساخنة لعلاج أمراض الروماتيزم والمفاصل والعمود الفقري، وتتم الجلسات العلاجية من قبل أهالي سيوة من أصحاب الخبرة وبإشراف وزارة الصحة وهي مهنة يتوارثها الأجداد من أهالي سيوة وتمثل مصدر دخل لعدد كبير من أهالي الواحة.
محمية الدبابية.. نموذج للطاقة النظيفة والسياحة العلمية
في الأقصر، تقدم محمية الدبابية نموذجًا علميًا للاستثمار الأخضر. فقد نفذت إحدى الجمعيات الأهلية “جمعية أبو بكر لتنمية المجتمع” مشروع “السياحة البيئية والإدارة المستدامة للدبابية” بتمويل من برنامج المنح الصغيرة التابع لمرفق البيئة العالمية، وشمل تركيب محطة طاقة شمسية بقدرة 5 كيلووات داخل المحمية في أغسطس 2025، ما وضعها على مسار الاستخدام الكامل للطاقة المتجددة. كما تم إنشاء عمود جيولوجي توثيقي يعرض تاريخ المحمية وطبقاتها العلمية، ما جعلها وجهة تعليمية وسياحية في آن واحد، ودعم خلق فرص عمل للمجتمع المحلي.
محمية الدبابية
نماذج عالمية.. خارطة طريق تعيد تعريف العلاقة مع الطبيعة
على المستوى الدولي، تتقاطع التجارب الناجحة ما بين سيشل والدومينيكان وحتى اليابان وكوستاريكا وتنزانيا في جوهر واحد: الطبيعة ليست عبئًا ماليًا، بل فرصة استثمارية.
في سيشل علي سبيل المثال، وهي تعد واحدة من أكثر التجارب جرأة وابتكارًا عالميًا، حيث أصدرت جزر سيشل في أكتوبر 2018 أول سند أزرق سيادي في العالم بقيمة 15 مليون دولار، بدعم فني مباشر من البنك الدولي، بهدف ربط أدوات التمويل الدولية بأهداف حماية البيئة البحرية، وقد سم هذا السند للدولة بتوجيه جزء من التمويل إلى توسيع مناطق الحماية البحرية داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لتصل إلى 30% من المياه الوطنية، وهو تحول استراتيجي غير مسبوق لدولة صغيرة تعتمد بشكل أساسي على الصيد البحري والسياحة الساحلية.، ولم يتوقف النموذج عند هذا الحد، إذ أنشأت سيشل صندوق لتقديم منح مالية للمشروعات المحلية المتعلقة بحماية الشعاب المرجانية، ودعم الصيد المستدام وتمكين المجتمعات الساحلية. وضمن حزمة التمويل حصلت الدولة أيضًا على قرض بقيمة 5 ملايين دولار من البنك الدولي، إضافة إلى ضمان مالي لتقليل مخاطر الاستثمار وهو ما جعل التجربة واحدة من أوضح أمثلة التمويل المختلط في قطاع الاقتصاد الأزرق.
وفي جمهورية الدومنيكان قادت الدولة تحولًا مهمًا في إدارة محمياتها البحرية عبر نموذج شراكة مبتكر بين الحكومة ومنظمة “بلو فاينانس”، وقدمت نموذج يقوم على إشراك القطاع الخاص والمجتمع المحلي في تشغيل الأنشطة السياحية البيئية، وفرض رسوم زيارة موجهة جزئيًا لصالح جهود الحماية، كما حصلت المحمية على قرض أولي لتطوير البنية التحتية والخدمات داخل الموقع وهو ما ساعد على تحويل المحمية من عبء مالي يحتاج إلى تمويلًا حكوميًا دائمًا إلى كيان قادر لتوليد دخل مستدام.
حين تمول الطبيعة نفسها
وفي شمال اليابان، تقدم محمية “شيريتوكو” مثالًا متقدمًا على تمويل المواقع الطبيعية بطريقة ذاتية، فالمحمية المدرجة على قائمة التراث العالمي تعتمد على نمذج تمويل يشمل رسوم الزوار والتبرعات والشراكات التجارية، مما يسمج لها بالحفاظ على مواردها دون الاعتماد الكامل على الدولة، وتستقبل المحمية سنويًا 3 مليون زائر، وهو رقم يوفر مصدر دخل كبير يستخدم لتحسين البنية التحتية وتمويل برامج التعليم وترميم الموائل الطبيعية، كما تقدم خدمات سياحية وبيئية ذات قيمة عالية، دون المساس بجوهر المنطقة كتراث طبيعي.
محمية شيريتوكو اليابان
أما كوستاريكا، فحولت محمية غواناكاستي إلى مركز عالمي للتنوع البيولوجي بفضل دمج البحث العلمي مع السياحة البيئية بعائدات تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات. وفي تنزانيا، كشف مشروع “Valuing the Art “أن كل دولار يُستثمر في حماية جبال “Easten Arc”يعود بسبعة دولارات سواء من خلال تحسين المياه، رفع إنتاجية الزراعة، تعزيز التكيف مع المناخ، أو حماية الغابات.
الطبيعة تتحدث بلغة الاقتصاد
وهكذا ما بين التجارب المحلية والخبرات العالمية.. وما بين رمال سيوة الذهبية، وبحيرات قارون، وجروف الدبابية، تشكل مصر نموذجًا متقدمًا يجمع بين حماية الطبيعة وتعظيم قيمتها الاقتصادية. ومع صعود نماذج التمويل المبتكرة عالمًا، تبدو المحميات المصرية على أعتاب مرحلة جديدة تدار فيها الموارد الطبيعية بمنطق الاستثمار الأخضر، وتصبح فيها الطبيعة شريكًا في التنمية لا مجرد مساحة للحماية.
مشروع المركز التثقيفي للتغير المناخي بمحمية قارون
استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي للتعريف والتثقيف بمحمية قارون
ابراهيم باغي مدير محمية سيوة